ابن القلانسي
520
تاريخ دمشق
أسرع النهضة إليهم في العسكر المنصور ، وقد ذكر أن عدتهم سبعمائة فارس من أبطال الاستبارية والسرجندية والداوية ، سوى الرجالة ، فأدركهم قبل الوصول إلى بانياس ، وقد خرج إليهم من كان فيها من حماتها ، فأوقع بهم ، وقد كان كمن لهم في مواضع كمناء من شجعان الأتراك ، وجالت الحرب بينهم ، واتفق اندفاع المسلمين بين أيديهم في أول المجال ، وظهر عليهم الكمناء فأنزل اللّه نصره على المسلمين وخذلانه على المشركين ، فتحكمت من رؤوسهم ورقابم مرهفات السيوف ، بقوارع الحمام والحتوف ، وتمكنت من أجسادهم مشرعات الرماح وصوارم السهام ، بحيث لم ينج منهم إلا القليل ممن ثبطه الأجل ، وأطار قلبه الوجل ، وصاروا بأجمعهم بين قتيل وجريح ومسلوب وأسير وطريح ، وحصل في أيدي المسلمين من خيولهم وعدد سلاحهم وكراعهم وأموالهم وقراطيسهم وأسراهم ، ورؤوس قتلاهم ، ما لا يحد كثرة ، ومحقت السيوف عامة رجالتهم من الأفرنج ، ومسلمي جبل عاملة المضافين إليهم ، وكان ذلك يوم الجمعة الثالث عشر من شهر ربيع الأول ، ووصلت الأسرى والرؤوس من القتلى والعدد إلى البلد المحروس ، في يوم الاثنين تاليه ، وأطيف بهم البلد ، وقد اجتمع لمشاهدتهم الخلق الكثير ، والجم الغفير ، وكان يوما مشهودا مستحسنا ، سرت به قلوب المؤمنين ، وأحزاب المسلمين ، وكان ذلك من اللّه تعالى ذكره وجل اسمه ، مكافأة على ما كان من بغي المشركين ، وإقدامهم على نكث أيمان المهادنة مع المولى نور الدين ، أعز اللّه نصره ، ونقض عهود الموادعة ، وإغارتهم على الجشارات ومواشي الجلابين والفلاحين المضطرين إلى المرعى في الشعراء ، لسكونهم إلى الأمن بالمهادنة ، والاغترار بتأكيد الموادعة ، وكان قد أنفذ المولى نور الدين إلى بعلبك جماعة من أسرى المشركين ، فأمر بضرب أعناقهم صبرا « ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم » « 1 » « وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون » « 2 » .
--> ( 1 ) القرآن الكريم - المائدة : 33 . ( 2 ) القرآن الكريم - الشعراء 227 .